مجمع البحوث الاسلامية
604
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وهكذا فإنّ سوء الظّنّ هو أساس التّجسّس ، والتّجسّس يستوجب إفشاء العيوب والأسرار ، والاطّلاع عليها يستوجب الاغتياب ، والإسلام ينهى عن جميعها علّة ومعلولا . ولتقبيح هذا العمل يتناول القرآن مثلا بليغا يجسّد هذا الأمر ، فيقول : أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ! ملاحظات : 1 - الأمن الاجتماعيّ الكامل : إنّ الأوامر أو التّعليمات السّتّة الواردة في الآيتين آنفتي « 1 » الذّكر « 1 - النّهي عن السّخريّة . 2 - واللّمز . 3 - والتّنابز بالألقاب . 4 - وسوء الظّنّ . 5 - والتّجسّس . 6 - والاغتياب » . متى ما تحقّقت في المجتمع ، فإنّ ماء الوجه والحيثيّات في ذلك المجتمع تكون مضمونة من جميع الجهات ، فلا يستطيع أحد أن يسخر من الآخرين - على أنّه أفضل - ولا يمدّ لسانه باللّمز ، ولا يستطيع أن يهتك حرمتهم باستعمال الألقاب القبيحة ، ولا يحقّ له حتّى أن يسيء الظّنّ ، ولا يتجسّس عن حياة الأفراد الخاصّة ، ولا يكشف عيوبهم الخفيّة باغتيابهم . وبتعبير آخر إنّ للإنسان رؤوس أموال أربعة ، يجب أن تحفظ جميعا في حصون هذا القانون وهي : النّفس والمال والنّاموس وماء الوجه . والتّعابير الواردة في الآيتين محلّ البحث ، والرّوايات الإسلاميّة تدلّ على أنّ ماء وجه الأفراد كأنفسهم وأموالهم ، بل هو أهمّ من بعض الجهات . إنّ الإسلام يريد أن يحكم المجتمع أمن مطلق ، لا أنّ النّاس لا يضرب بعضهم بعضا فحسب ، بل أسمى من ذلك أيضا أن يكونوا آمنين من ألسنتهم ، وأرقى من ذلك أن يكونوا آمنين من تفكيرهم وظنّهم أيضا . وأن يحسّ كلّ منهم أنّ الآخر لا يرشقه بنبال الاتّهامات في منطقة أفكاره . وهذا الأمن في أعلى مستوى ، ولا يمكن تحقّقه إلّا في مجتمع مذهبيّ « 2 » مؤمن . يقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الصّدد : « إنّ اللّه حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به السّوء » . إنّ سوء الظّنّ لا أنّه يؤثّر على الطّرف المقابل ويسقط حيثيّته فحسب ، بل هو بلاء عظيم على صاحبه ، لأنّه يكون سببا لإبعاده عن التّعاون مع النّاس ، ويخلق له دنيا من الوحشة والغربة والانزواء ، كما ورد في حديث عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام أنّه قال : « من لم يحسن ظنّه استوحش من كلّ أحد » . وبتعبير آخر إنّ ما يفصل حياة الإنسان عن الحيوان ويمنحها الحركة والرّونق والتّكامل هو روح التّعاون الجماعيّ ، ولا يتحقّق هذا الأمر إلّا في صورة أن يكون الاعتماد على النّاس وحسن الظّنّ بهم حاكما ، في حين أنّ سوء الظّنّ يهدم قواعد هذا الاعتماد ، وتنقطع به روابط التّعاون ، وتضعف به الرّوح الاجتماعيّة . إنّ سيّئي النّظرة والظّنّ يخافون من كلّ شيء ويستوحشون من كلّ أحد ، ويستولي على أنفسهم نظرة
--> ( 1 ) الحجرات : 11 ، 12 . ( 2 ) الاصطلاح العربيّ : « دينيّ » .